samedi 11 février 2012


علاقة الإعلام الجديد بحرية الرأي والتعبير في فلسطين...   
الفيسبوك نموذجا
 نظرا للعمر القصير نسبيا للإعلام الجديد، فإن الدراسات في هذا المجال تظل محدودة، وجاء كتاب “علاقة الإعلام الجديد بحرية الرأي والتعبير في فلسطين...الفيسبوك نموذجا”، كمحاولة لإلقاء الضوء على هذا النوع من الإعلام من جهة، وعلاقته بحرية الرأي والتعبير في فلسطين من جهة أخرى.
وعمدت الدراسة التي أعدها الباحث الفلسطيني محمود فطافطة، إلى رصد واقع حرية الرأي والتعبير في فلسطين، ومدى التبادل والاستفادة التي يمكن أن يوفرها المجال الاتصالي الجديد للحركات الاجتماعية الفلسطينية في تنظيم ذاتها، والتعبير عن أحلامها في قضايا كبرى أهمها الاحتلال وليس آخرها الانقسام. 
وتناولت الدراسة عيّنة من المجموعات الفلسطينية على صفحة الفيسبوك لمعرفة مدى انعكاس مفرداتها ومضامينها، وحتى أشكالها على الحالة الفلسطينية في مواضيع مهمة وساخنة مثل الانقسام والمطالبة بحرية التعبير والشفافية. 
إضافة إلى ذلك تضمّنت الدراسة، التي تولى المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية (مدى) طباعتها ونشرها، استطلاعا عشوائيا هدفه الكشف عن الهاجس العام الفلسطيني تجاه علاقة حرية التعبير بشبكات التواصل الاجتماعي.
ولمعرفة تلك العلاقة عن قُرب، أجرى الباحث مقابلات مع نشطاء ومجموعات موجودة في شبكات التواصل، وموجودة أيضا على الأرض فيما عُرف بمجموعة الخامس عشر من مارس المطالبة بإنهاء الانقسام، التي كانت التجسيد والتمثيل الواقعي الأبرز لحركة اجتماعية فلسطينية تعبّر عن المجال العام، وحاولت نقله إلى المجال الافتراضي. 
وتتمثل قيمة الدراسة في محاولتها رصد عمق التحول الصوري وعلاقته بالتحول على الأرض، ومدى التغير الفعلي نحو الديمقراطية وحرية التعبير، وهل بالفعل تم خلق طبقة تاريخية متماسكة أم أن الأمر يتعلق بطبقية إلكترونية وحسب...؟ 
وجاءت الدراسة في مجموعة مباحث ومحاور هي: قراءة في المفاهيم، ومراجعة الأدبيات، ومدخل نظري، والمنهجية وأدوات التحليل، والإعلام الجديد وحرية التعبير، والأنترنيت في فلسطين، والرقابة والإعلام الجديد، والإعلام الجديد والثورات العربية، والفيسبوك في فلسطين، وتحليل عينة من مجموعات الفيسبوك الفلسطينية والاستمارة، إلى جانب مبحث الإعلام الجديد...رؤية استشرافية، وأخيرا النتائج والتوصيات.
  صعوبة التعريف
 تطرّقت الدراسة بشكلٍ مفصل إلى المفاهيم المتعددة للإعلام الجديد، حيث أشارت إلى صعوبة بالغة في وضع تعريف شامل لهذا اللون من الإعلام، لعدة أسباب، منها أن هذا الإعلام يمثل مرحلة انتقالية من ناحية الوسائل والتطبيقات والخصائص التي لم تتبلور بشكل كامل وواضح، فهي ما زالت في حالة تطور واسع، وما يبدو اليوم جديدا يصبح قديما في اليوم التالي. 
ويرى المؤلف أن وضع تعريف للإعلام الجديد بناء على الوسائل الجديدة، يعني بالتأكيد أنها ستكون قديمة بمجرد ظهور مبتكرات جديدة، وهذا مدعاة لصعوبة وضع تعريف محدد، بينما يختلف الحال إذا تم وضع تعريف بناءً على مجموعة الخصائص التي تميز الإعلام الجديد.  
وقال: مع ذلك، إن هناك شبه اتفاق على جملة خصائص يتصف بها هذا الإعلام، وأهمها: الرقمية، والتفاعلية، والتشعبية، والتفردية، والتخصيص، والجماهيرية، وتزاوج الوسائط والتكنولوجيات.
  الأنترنيت في فلسطين
 تطرّقت الدراسة إلى الأنترنيت في فلسطين، حيث تبين الدراسة أن فلسطين عرفت الصحافة الإلكترونية مبكرًا، إذا ما قورنت ببعض الدول العربية، وذلك لأسباب من ضمنها: توفر الخدمة المتطورة التي تقدمها شركات إسرائيلية، ومحاولة الفلسطينيين محاكاة الدولة العبرية في استخدامها لهذه الشبكة لاعتقادهم بالدور الذي يمكن أن تلعبه الصحافة على الأنترنيت في الصراع الإعلامي والتعريف بالقضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني. 
وتوضّح الدراسة أن الزيادة المطردة لمستخدمي الأنترنيت تتلازم مع تميز مستخدمي الإنترنت الفلسطينيين، من خلال أن المواقع الإخبارية والسياسية تأتي على رأس اهتماماتهم، وذلك أكثر من أية دولة عربية أخرى. 
وهو ما يعزوه البعض إلى ظروف الحياة اليومية التي يستحيل فصلها عن الحدث السياسي وتقلباته، ولأسباب تاريخية ترتبط بالقضية الفلسطينية التي جعلت من الفلسطينيين مُسيسين ومنضوين في أحزاب سياسية ولهم مواقفهم من مجمل الأمور والتطورات. 
وأشارت الدراسة إلى أن الرقابة بكافة أشكالها، خصوصا الرسمية منها، أخذت تتراجع إلى حد الاختباء والاختفاء ليس في المشهد الفلسطيني فحسب، بل والعربي والعالمي عموماً، موضحة أن سوط الرقيب والرقابة لم يعد قادرا على الفعل والمطاردة إزاء أولئك الذين ارتضوا أن يكونوا جزءاً من عالم الشبكات الافتراضية، يقولون ما يشاؤون، معبّرين عن آرائهم ومواقفهم وهمومهم وآمالهم بكل حريةٍ سواء أكان ذلك بأسمائهم الحقيقية أو بأسماءٍ وهمية. 
وبخصوص الحالة الفلسطينية بشأن الحراك الشبابي والمجتمعي، تظهر الدراسة أن الأمر لم يكن متماثلاً للتحركات الشبابية الحاصلة في الوطن العربي، وبالتالي فإنّ إسقاط الشباب الفلسطيني حالة العرب على ساحتهم بخصوص دور وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي لا سيما الفيسبوك لم تكن مجدية. 
فضلاً عن ذلك، يضيف الباحث: أنه في الحالة الفلسطينية اعتبر الفيسبوك هدفاً في حد ذاته وليس أداة أو وسيلة تقنية ترفدها عناصر مساندة أخرى، وهذا كان بمثابة الخطأ الذي استجلب نتيجة قريبة إلى الفشل واجتراح أسئلة تثير من الانتقاد أكثر ممّا تؤسس قاعدة للترميم والعبر.
  الفيسبوك والبنية السياسية
 يظهر الباحث أن التحليل النهائي لمجموعات الفيسبوك الفلسطينية يصعب تثبيته في شكل معين، لأن الصفحات متغيرة الأشكال والمضامين بشكلٍ سريع،  لكنها تبقى مخلصة لبنيتها وبنية فاعلها. 
ويؤكد أن الصفحات عزّزت حرية الرأي والتعبير في فلسطين، لكنها لا تعكس بالضرورة احتراما لثقافة الاختلاف وحرية الرأي، مضيفا أن الفيسبوك الفلسطيني لم ينسلخ مطلقا عن بنيته السياسية المشكلة من أحزاب ومنظمات مدنية، والتي صادرت في النهاية معظم النشاط على الشبكة الافتراضية إلى حد تدخلها المباشر في الحد من هذه التحركات مثل الهجوم على ساحة الجندي المجهول في غزة، والاشتباكات بالأيدي التي حدثت في مدينة رام اللّه بين نشطاء الحراك من أجل إنهاء الانقسام ونشطاء آخرين محسوبين على الحراك. 
وتضمّنت الدراسة نتائج استمارة عشوائية بسيطة المكونة من مائة استمارة، أجريت في مدينة رام اللّه بالضفة الغربية لرصد أولي لمشاعر وتوجهات الجمهور الفلسطيني تجاه العلاقة بين الفيسبوك وحرية التعبير. 
وبينت أن ما نسبته 74 % من المستطلعة آراؤهم مشاركون في خدمة الفيسبوك، وأن حوالي 26 % غير مشاركين فيه. وفي حين رأى 67 % من المشتركين أن الفيسبوك يساهم في حرية التعبير ورفع مستوى هذه الحرية، رأى عكس ذلك 33 %، كما أفاد نحو 62 % من غير المشاركين في خدمة الفيسبوك أنه لا يساهم في حرية الرأي، في حين رأت النسبة الباقية من غير المشتركين أنه يساهم في حرية التعبير.
وأظهرت هذه النتائج ميلاً نحو التفاؤل بإمكانية أن يساهم الفيسبوك في تعزيز حرية الرأي والتعبير، ولم يكن لمتغير السكن تأثير مهم ولافت في التصور لدور الفيسبوك، مما يؤكد ــ حسب المؤلف ــ أن الفيسبوك يخلق نوعا من الوحدة الزمنية أو ما يمكن أن يطلق عليه الطبقة الإلكترونية. 
وتشير الدراسة إلى أنه في الحالة الفلسطينية هنالك بعض الأمثلة عن تدخلات وضغوط السلطات السياسية والأمنية عبر التدخل في العالم الافتراضي والتأثير في رسالته ومادته، لكنها ترى مع ذلك أن وسائط وشبكات الإعلام الجديد تساهم في دفع مسيرة الديمقراطية قدما، وتوسيعها لتؤثر في الإعلام القومي والرسمي بطرق عدة، موفرة أجواء أفضل ومشجعة أكثر عليها.
  نتائج وتوصيات
 خلصت الدراسة إلى مجموعة نتائج بينها أن هناك تحولا عالميا في مصدر سقاية الوعي الجماعي، يكمن في كون الفاعل التقني منافسا قويا للفاعل الإنساني، وأن التحولات عكست نفسها على المجتمع الفلسطيني. 
واستنتجت الدراسة أن الإعلام الجديد في نسخته الفلسطينية متشبع بأسس وصفات البنية الفلسطينية في علاقتها الداخلية وعلاقتها مع الاحتلال، وأن هناك ضعفا في الأدبيات الأكاديمية المتعلقة بنظريات التحول وعلاقتها بنظريات الوسائط الاتصالية في المشهد الفلسطيني. 
ورأى الباحث أنّ المجال التقني ساهم في تعزيز حرية التعبير وإعطائها متنفسا وطريقة للنشر، لكنه لم يبن ثقافة الاختلاف واحترام الرأي الآخر، مشيرا إلى ارتباك في الشارع الفلسطيني بشأن العلاقة بين تقنيات التواصل الاجتماعي وحرية التعبير رغم أن هناك نسبة كبيرة ترى أنه يعززها، وأن الأحزاب والتنظيمات الاجتماعية والسياسية ما زالت هي سيدة الموقف وهي التي تتحكم بشكل غير مباشر في الحراك الإلكتروني. 
وأشارت الدراسة إلى حالة من المفارقة بين الفعل على الأرض والفعل في العالم الافتراضي، وأنه حتى الآن لم يستطع العالم الافتراضي تأسيس فعل مغاير على الأرض، في حين صبغت الانفعالية وحالات الاستقطاب السياسي والأمني والثقافي والرياضي مجمل مفردات ورموز التواصل الاجتماعي، الأمر الذي حدّ من قوة تأثيرها. 
واستنتجت الدراسة أن الجهد الفلسطيني استغل الإعلام الجديد لبناء رأي عام، لكنه لم يستطع تجاوز طرق العمل التقليدية في الأداء الفلسطيني في كافة حقوله، كما لم تستطع منظمات المجتمع المدني خلق قاعدة جماهيرية كافية لتحقيق التوازن مع البنى التقليدية بشكل حدّ من قوة فاعلية التواصل الاجتماعي.ورأت أن مواقع التواصل الاجتماعي شكّلت منطقة جذب وعالما بديلا لمناطق الطرد مثل القمع والفساد والانقسام والترفيه والتلصص، في حين كانت مجموعة الخامس عشر من مارس الداعية لإنهاء الانقسام العلامة الصارخة على تصارع السياسي والاتصالي والتاريخي، حيث التعامل المتناقض معها من خلال منعها بقوة في غزة ومحاولة احتوائها في الضفة، الأمر الذي شكل خيبة أمل في قوة الشبكات الاجتماعية في التغيير وفي حرية التعبير. 
وخلصت إلى أن الجهد الفلسطيني في الإعلام الجديد لم يستغل الشبكات العالمية الافتراضية لإعلاء صوت القضية الفلسطينية، وخلق حالة من التضامن العالمي، لأن قسما كبيرا من الجهد استغل في الصراع الداخلي، كما شكل المجال الافتراضي ساحة أخرى لصراع الشخصيات السياسية والأمنية والاقتصادية على الاستحواذ على الرأي العام الفلسطيني.
كما أوصت الدراسة صانع القرار الفلسطيني بالعمل على بناء ثقافة الاختلاف وحرية التعبير ضمانا لتحول ديمقراطي سليم، موضحة أنه بإمكان المؤسسات التعليمية المختلفة توضيح الخلفيات النظرية والعلاقات السياسية والاجتماعية لشبكات التواصل الاجتماعي لخلق وعي في التعامل معها. 
وطالبت الدراسة الأحزاب ومنظمات المجتمع الفلسطيني بالكف عن نقل صراعاتها إلى المجال الافتراضي، مؤكدة أن حرية الرأي لا تعني حرية التشهير، فهي مرتبطة بثقافة الديمقراطية، لذلك على الفاعلين الفلسطينيين والتربويين تعزيز ثقافة الاختلاف ومفاهيم الديمقراطية. 
وحثّت الدراسة شبكات التواصل الاجتماعي على أن تكون عاملا مساعدا في خلق تعاطف هائل مع القضية الفلسطينية، وتوقعت أن يستفيد الإعلام الرسمي في أن يكون أكثر شفافية في بث المعلومات لأنه لم يعد المصدر الوحيد لها. 
وشدّدت على ضرورة الوصول إلى ميثاق شرف يعزز المسؤولية الاجتماعية ويفرق بين الحملة الصحفية والخبر الصحفي والمعلومة الصحفية.   
17/01/2012  المصدر جريدة الشعب  

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire